لإن جاز لنا أن نؤرخ لميلاد الدولة السعودية الحديثة بالثالث والعشرين من
سبتمبر عام 1932 كونه اليوم الذي أعلم فيه الملك المؤسس عبد العزيز
بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله- قيام الدولة وتوحيد كافة أجزائها
تحت مسمى المملكة العربية السعودية؛ فإنه لا يجوز لنا اعتباره اليوم
الأول في تاريخ هذه البلاد المجيدة.
كيف لا، وتاريخ هذه البلاد قديم قدم سهولها وجبالها، قديم قدم صحاريها
وواحاتها، قديم قدم شعبها الذي من صلبه ولدت العروبة، وعلى يده ظهر
الإسلام.
إنها حقائق يجب أن نحتفي بها ما وسعنا الاحتفاء، ومعانٍ ينبغي
أن نرسخها في نفوس النشء؛ حتى لا يستعيضوا عنها بالتاريخ القبلي
الضيق عند رجوعهم إلى زمن ما قبل الدولة السعودية الحديثة.
استشعرت هذا المعنى العميق وأنا أطالع كتاب “المفصل فى تاريخ العرب
قبل الإسلام” للدكتور جواد علي، فمعظم مادة هذا الكتاب تتناول أماكن لا
تزال شامخة هنا، وتحكي عن قبائل لا يزال أبناؤها يدرجون على ثرى هذه
البلاد، فإذا كان هذا الكتاب المبثوث في عشرين جزئا لا يؤرخ لبلادي أنا
فلأي البلاد يؤرخ؟!
ما من شك عندي في أن كل كتاب يتعرض مؤلفه للعرب القدماء؛ إنما يتناول جزئا من تاريخ بلادنا القديم، وكل كتاب يتناول مؤلفه أحد أقاليم هذا الوطن أو يؤرخ لحقبة من حقبه التاريخية -كالحقبة النبوية- فإنه إنما يشكل جزئا مما تختزنه هذه البلاد من إرث تاريخي هائل.
(اقرأ المزيد …)