فرصة أخرى أضعناها كما أضعنا من قبلها آلاف الفرص, فبدلا من أن نختلف مع الشيخ اللحيدان في فتواه الأخيرة اختلافا إيجابيا نطرح من خلاله رؤيانا الخاصة بشأن إيجاد تشريعات وآليات تحد من تنامي هذه الفوضى الإعلامية, بدلا من ذلك, اكتفينا بإدانة الفتوى لحيثيات متعددة؛ حيث اعتبرها البعض محرضة على الإرهاب, ورأى فيها إذنا شرعيا بهدر دم ملاك القنوات الفضائية؛ بينما طالب آخرون بضرورة التحرك ضدها بوصفها تسيء إلى الإسلام, وتخل بمبدأ حرية التعبير إلى غير ذلك من المبررات التي إن كانت تبرر إدانة فتوى اللحيدان فإنها لا تبرر الإحجام عن اتخاذ موقف جريء, والدعوة إلى إيجاد إعلام عربي لا مكان فيه للانحطاط والخرافة وبرامج الربح المادي على حساب ثوابت الأمة ومشروعها النهضوي, وهو مشروع لا يمكن أن ينجز ثقافيا على أرض مليئة بالحشائش الضارة.
وقد يرى البعض أن مجرد طرح مثل هذه الرؤيا أمر غير مقبول, وحتى إن قبل فتنفيذه أمر غير ممكن؛ لوجود سلسلة من العوامل السياسية والاقتصادية والثقفية المتداخلة, ولصعوبة السيطرة على محطات بث تدور في فلك ما بعد الإقليمية …
ولسنا ننكر أن هنالك الكثير من العقبات والصعاب فهي موجودة بالفعل وعلينا أن نتخذ منها تحديا مثلها في ذلك مثل كل التحديات التي تقف في وجه مسيرة الأمة.
ومما يأكد لنا إمكانية ذلك؛ ما رأيناه من إغلاق لبعض القنوات الفضائية, وحظر لبعض البرامج والمسلسلات؛ لأسباب مفهومة وغير مفهومة, وما يعنينا هنا هو إثبات أن الأمر ممكن.
وعلى أولائك الذين يكثرون الحديث عن القيم في المجتمعات الديمقراطية, وثقافة الانفتاح في عصر العولمة, عليهم أن لا ينسوا أو يتناسوا حقيقة هامة هي أن مجتمعاتنا مجتمعات تتلاعب بها وتمتصها وتعيد إفرازها ثقافة الاستهلاك.
وعليهم أن لا ينسوا أو يتناسوا أن مجتمعاتنا تشكو من ارتفاع نسبة الأمية؛ حيث تشير آخر تقديرات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ” الألكسو ” إلى أن قرابة ثلث المجتمع العربي (حوالي 100 مليون نسمة) يعانون من الأمية, أضف إلى ذلك انخفاض مستويات التعليم, وعدم اكتراث معظم الناس بالقراءة والاطلاع …
إذاً فنحن أمام مجتمعات مصابة بأنيميا ثقافية, مجتمعات ليس لديها ثقافة ممانعة ناضجة, أعني ممانعة مصدرها الوعي الشامل -وليس الرفض المسبق- وهي ثقافة ضرورية لبقاء الهوية نقية, ولتوجيه دفة المجتمع نحو شاطئ التنوير بعيدا عن الذوبان والاضمحلال والمحاكاة العمياء لكل ما يُسمع ويُرى.
وقد يظن البعض أن مجرد نقد القنوات الهابطة والأعمال الرديئة عبر وسائل الإعلام أمر كافٍ, ونحن وإن كنا نعترف بما لهذا التفاعل الثقافي من دور جوهري في الرقي والبناء إلا أننا نراه أشبه ما يكون بذلك التحذير المدون على علب السجائر, فإزاء مئات المئات من البرامج الهابطة التي يتم بثها يوميا لملايين المشاهدين, يبدو هذا النقد حرثا في البحر غالبا.
غير أن هذه المبررات رغم كفايتها للتحرك لا تساوي شيئا ما لم يتم التوصل إلى تعريف لماهية الفساد الذي يجب مقاومته, وما لم يتم خلق آليات عمل تسهم في الحد من ذلك الفساد, وما لم تكن تلك الآليات مستقلة لضمان عدم استخدامها في انتهاك حرية التعبير والتضييق على وسائل الإعلام.
ولا بد أن مصطلحا كمصطلح “الفساد” سيتباين مفهومه من مجتمع إلى مجتمع, ومن تيار إلى تيار, ومن مذهب إلى مذهب, لكننا لسنا بحاجة إلى تبني أي من تلك الرؤى بعينه,
إذ سنجد ما يغنينا عن ذلك في القيم الإنسانية الثابتة وهي ثوابت فكرية وأخلاقية, وبوسعنا أن نستند في فهم مضامينها إلى المشترك الثقافي العربي, وهذا سيحقق حدا أدنى من الاتفاق وهو ما نحتاج, فغاينا هي الحد من من تنامي الفوضى, أما إلغاؤها تماما فأمر مستحيل بالنظر إلى كونها تختلف من تعريف إلى آخر وبالتالي ستظل موجودة بصورة أو بأخرى ولا بد.
وسواء تم مثل هذا التحرك أم لم يتم, فإن على الحكومات العربية أن تنهض بسؤولياتها الثقافية تجاه شعوبها, عليها أن ترعى الإبداع وتشجع المبدعين.
وإنه لمن المؤسف حقا أن لا نجد في كثير من دولنا العربية وسائل إعلام مرئية ومسموعة تهتم بإنتاج وبث الأعمال التي ترتقي بالحس الجمالي لدى الناس وتعزز مخزونهم المعرفي, وتمنحهم البديل عن تلك القنوات الهابطة والتي يفضل الناس مشاهدتها على مشاهدة قنوات فقدت بريقها وربما مصداقيتها منذ زمن بعيد كمعظم القنوات الرسمية العربية.