كل شمعة هنا .. تطفئ نجمة هناك
13 فبراير 2010 - مصنف في: غير مصنف بقلم: علي العمرييهم كل من يظن أن العلاقة بين الدول العربية والكيان الصهيوني لا زالت علاقة عداء, فهذا الكيان لم يعد عدوا ولا حتى شبه عدو, صحيح أننا لا يمكن أن نصفه بالصديق في حق بعض تلك الدول على الأقل, لكن هذا لا يعني أنه عدو أو حتى مرشح ليكون عدوا حين تفشل المفاوضات العلنية والسرية في الوصول إلى جادة تأخذ مثل هذه العلاقة إلى مرحلة أبعد في التطبيع الفعلي المعلن.
ولحظة التطبيع هذه لم تعد بعيدة, فمسؤولونا يصافحون مسؤوليهم,
وصحفيونا يجالسون صحفييهم, أما مثقفونا فيتعجلون إنهاء المقاطعة, ويدعون إلى التطبيع رعاية للمصالح الوطنية!
بالتأكيد, ليس كل مسؤول ولا كل صحفي أو مثقف يفعل ذلك, لكن هذا التوجه هو توجه من بيده السيطرة والتأثير الفعلي على مجريات الأحداث, وتوجه من بيده توجيه معظم وسائل الإعلام العربية.
لحظة التطبيع قريبة, وكل ما علينا هو التهيؤ لاستقبالها نفسيا وذهنيا, هذا هو كل المطلوب منا كشعوب, أما الفقهاء فعليهم البدء في تحضير الفتاوى المشرعنة, في حين أن على الإعلاميين إعداد أقلامهم وعدساتهم لمواكبة الحدث…
في اليوم التالي, سيشهر بعض المثقفين أقلامهم, وستصدر فتاوى منددة وأخرى مكفرة, وسيناقش الأمر في بعض القنوات الفضائية, ثم ما تلبث أن تخفت الأصوات المغردة خارج السرب…
وبعد مرور ثلاثين سنة ستعرض الدور السينمائية فيلم (السفارة في العمارة) بسيناريو جديد وجوه جديدة, وسنجلس أمام الشاشات مشدودين ن نستنشق مزيجا من عطر الإثارة وغاز الضحك..!
في هذه اللحظة يقفز سؤال بديهي إلى ذهني: هل يمكن تفادي مثل هذه اللحظة؟
نعم, يمكن تفادي تلك اللحظة المشؤومة, ليس بالعنف ولا بتشجيع الخروج
على القوانين, وخلق مآزق جديدة تفتت الأمة, وتبدد ما بقي من طاقاتها, بل بالعمل الثقافي الواعي..
العمل الذي يأخذ في حسبانه التأكيد على ماهية وثوابت الهوية العربية الإسلامية, ويسعى إلى نشر الحقائق ووضع النقاط على الحروف…
على أن الهوية ستظل محل أخذ ورد ما لم تحمل في ذاتها محتوى مشرفا يقنع عالم اليوم وأجيال المستقبل بأننا أمة حية منتجة قادرة على الاختيار والصمود, وهذا لن يكون إلا بالعمل المتواصل في مجالات التنمية والتعليم وتشجيع الابتكار ومقاومة الفساد والتجهيل والاستبداد إلخ…
هذه الهوية المشرفة هي التي ستجعل الشعوب تضحي بأرواحها في سبيل الدفاع عنها, وهذه الهوية المشرفة هي التي ستجعل المسؤول العربي يتصرف كالمسؤول التركي, وهذه الهوية المشرفة هي التي ستجعل البعبع الصهيوني يلاقي ذات المصير الذي ستلاقيه قطعة ثلج ضخمة إذا سلطت عليها ملايين الشموع دفعة واحدة…
لقد أهدرنا من الحبر والورق في هجاء الكيان الصهيوني ومن يقف إلى جانبه أو التزلف إليه وإلى من يقف بجانبه ما لو استخدمناه في ترجمة العلوم والمعارف ودعم التقدم والتنوير؛ لكان أجدى بكثير, فمنذ أكثر من نصف قرن والصهاينة ومن يقف إلى جانبهم يحتلون صحافتنا وإذاعتنا وتلفازنا ومساجدنا ومصناعنا ومدارسنا ودوائرنا الحكومية ومؤسساتنا العامة, وأسوأ ما هنالك أنهم نجحوا في احتلال عقولنا والحيلولة بينها وبين الإبداع والتواصل مع مفردات المعجم الكوني الماثل بين دفتي الوجود …
والخروج من هذا المأزق التاريخي مرهون بتتبع أسباب التقدم وليس بالتطبيع مع هذا الكيان الغاصب, وتركه يصول ويجول في بلادنا العربية كيف شاء, فأنت قد تعجز عن الاقتصاص من قاتل أخيك, وفي هذه الحالة تسمى عاجزا, أما حين تدخله بيتك, وتآكله وتشاربه, وتشاركه اللعب والمزاح .. فأظنك لا تحتاج إلى تفكير عميق لتعرف من تكون, تحتاج إلى مثل ذلك التفكير العميق؛ لتزيف حقيقتك وتسوقها على البسطاء فقط.
خلاصة القول إن واقعنا واقع مرير, وما ينتظرنا أشد مرارة منه, ولا خلاص لنا إلا بنشر الوعي, ومواصلة الإبداع, وتفعيل الطاقات الكامنة, وهذا -بدوره- لن يتأتى إلا بترسيخ ثقافة تقديس العمل, وإطلاق الحريات, إذ في غياب هذين الشرطين الحضاريين لا معنى للحديث عن آليات مصيرها الترهل أو مشاريع ستظل حبرا على ورق.
إن كل شمعة توقد في وطننا العربي, تطفئ نجمة في سماء تل أبيب.
الوسوم: متابعات










21 فبراير 2010 في الساعة 8:27 م
” وهذا لن يكون إلا بالعمل المتواصل في مجالات التنمية والتعليم وتشجيع الابتكار ومقاومة الفساد والتجهيل والاستبداد إلخ…”
جميل ما كتبت … تحليل ذكى … ورؤية عصرية لمستقبل لم يراه إلا المبدعين .
تقبل تحياااااتى .
23 فبراير 2010 في الساعة 2:10 ص
قراءة أكثر من رائعة، وموفقة جدا في حل المشكلات.
ما تدعو إليه عزيزي علي سوف يصبح واقعا بعد أن تعلن الممانعة استسلامها.
خاصة مع وفاة رموزها المعمرين في السعودية.
التطبيع مع العدو الصهيوني الأبدي ، ليس أسوا من جعل مؤسسة دينية كهنوتية تسيطر على رقاب العباد.
وها هي ارهاصات التطبيع دليل على بؤس العقل المحلي في استيعاب الدنيا والتاريخ والثقافة.
حتى المصافحة جاءت بادرة من أحد رموز الكيان الصهيوني في دلال على استشرافهم للمستقبل، قراءتهم الذكية للواقع، معرفتهم بما سيحدث مستقبلا، والعمل على أساسه.
بينما الرموز الفكرية لدينا تعيش في واقع وهمي ، تستلم في بعض الظروف ولا تعمل أبدا وفي كل الأحوال ومهما حدث ومها كانت الكوارث لأجل المستقبل.
ليس هناك حل آخر ولا نصف حل بديلا عما تفضلت بذكره.
أكثر الله من أمثالك.
23 فبراير 2010 في الساعة 7:12 م
مرحبا أخي أحمد الضبع..
سعدت بمرورك وتعليقك, وأرجو أن أراك هنا دائما.
دمت كما تحب.
23 فبراير 2010 في الساعة 7:26 م
مرحبا أخي ماجد الحمدان..
أشكرك لإثرائك المقال بهذا التعليق القيم الذي بلغ الغاية في استكناه الواقع, وقال كل شيء في بضع كلمات.
كما أشكرك على لفت النظر إلى المقال في مدونتك.
وليتك تسعدني وتصوبني بالتواصل مع ما أكتب دائما.
ودمت كما تحب.
4 مارس 2010 في الساعة 2:00 ص
مقالة جيدة. وجدت استفتاء عل تنسيق النصوص، أود أن أنبهك إلى استخدام الفاصلة العربية ، shift + ن. كما أن كلمة استفتاء، تبدأ بهمزة وصل.
4 مارس 2010 في الساعة 4:37 م
مرحبا أخي محمد أحمد..
أشكرك على المرور الكريم، وعلى التنبيه بخصوص الفاصلة…
أما في ما يخص همزة الوصل فالأمر كما ذكرت بالفعل ولكن ذاك خطأ وقع من قبل المبرمج, ولا أدري ما إذا كان بإمكاني تعديله أم لا, وعلى كل أشكرك على التنبيه.
ودمت موفقا.