[ جميلة بوحيرد.. الصرخة ]
[youtube]http://www.youtube.com/watch?v=uypX-ArhgPw[/youtube]
قبل ما يزيد عن نصف قرن منحت فتاة في ربيعها العشرين شبابها لوطن شاخ تحت بلطة الجلاد …
فضلت حمل القنابل على حمل الأزهار, وحين تم إلقاء القبض عليها بعد مطاردة طويلة, وصدر في حقها الحكم بالإعدام؛ استقبلت ذلك الحكم بجملتها الشهيرة:
“أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام لكن لا تنسوا إنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم, ولن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة”.
لكنها لم تعدم, تحولت إلى أسطورة جسدها المخرج الراحل يوسف شاهين في فيلم سنمائي حمل اسمها.. اسم المناضلة الجزائرية الخالدة:
جميلة بوحيرد
تلك المرأة التي ضربت للرجال أروع أمثلة الفداء.
حين أسرت جميلة الجزائر, عذبوها وساوموها ؛ لتدلي بكلمة واحدة تدلهم على مخابئ رفاقها, فلم تفعل, ظلت صامتة رغم صعقها بالتيار الكهربائي لمدة ثلاثة أيام, ورغم إطفاء الجنود لسجائرهم في خفايا جسدها فضلا عن باقي صنوف الإهانة والتنكيل.
واصلت صمتها وواصل جلادوها ضخ التيار الرهيب في خلايا أثبتت أنها أقوى من أدوات السحق وأعقاب السجائر !!
بمثل هذه التضحية, وبدماء ما يربو على المليون ونصف المليون شهيد, عاد قلب الجزائر العربية الحرة إلى النبض.
واليوم -وبعد ما يزيد عن نصف قرن- تستغيث امرأة في خريفها الرابع والسبعين بشعبها من وطأة الفاقة والمرض, وتسأله مد يد العون إليها حسب الإمكان…
وما أعجب أن يمنح المرء شبابه لوطنه, ثم يستجدي هذا الوطن شيئا يستبقي به شيخوخته, ولكنها الحقيقة, فوطننا العربي الذي يؤله أمواته لا يعرف كيف يصون كرامة أحيائه, ولا كيف يبقي على رموزه في قمة المثالية المطلقة .. المثالية التي نريد أن نحبس في قمقمها جميلة بوحيرد وأمثالها كنوع من التعويض نتباهى به أمام التاريخ الأممي, ونحن لم نقدم لهم إلا المدائح والمراثي, وكأن عليهم أن يكونوا آلهة, ونسينا أن الخباز والبقال والطبيب يقايضون ما لديهم بالنقود وليس بحفنة من الأغاني والذكريات والدراسات الأكاديمية.
جميلة بوحيرد كانت قبل نصف قرن أو يزيد واحدة من ملايين الفتيات الواتي حملن في قلوبهن هم الوطن المحتل, ربما كانت أكثر منهن إيمانا بجدوى التحرك وضرورة التضحية, لكنها كانت واحدة منهن, ولم يكن أمامها من خيار -وهي المؤمنة- إلا أن تقصر رسالتها الوجودية في تلك اللحظة على تحرير بلادها من نير الاستعمار؛ لذا حملت القنابل وهي حرة, وآثرت الصمت حين وقعت في الأسر.
أما اليوم فجميلة واحدة من ملايين المسنات, مثلها مثل أي مسنة أخرى وإن كانت صاحبة ماضٍ مجيد, فهي تعاني ما تعانيه المسنات من أوجاع الشيخوخة وتشكو فوق ذلك من العوز والفاقة, فما الذي يمنعها من اللجوء إلى من يعينها بعد أن قصرت الدولة في رعايتها كما يجب؟
ولماذا لا يحق لها اليوم أن تناضل دفاعا عن حياتها, كما ناضلت بالأمس دفاعا عن حياة الوطن؟
صحيح أنه كان يجمل بها أن تتجنب صرخة الاستغاثة هذه أو تطلقها بنبرة أخرى, ولكن ما دامت قد اختارت أن تلفت نظر الرأي العام إلى حالها وحال أمثالها ومثيلاتها بهذه النبرة الصادمة؛ فلا أحد يملك الحق في منعها من المطالبة بحقها في الحياة حتى آخر رمق, لا سيما وأن الإنسان يحتاج أضعافا مضاعفة من الشجاعة لمواجهة الموت عندما يشعر بأن موته لا يعني سوى الرحيل الأخير, بينما لا يحتاج إلا جزئا يسيرا منها لمواجهته عندما يشعر بأن في موته حياة لمن يحب, وموت جميلة اليوم بات من النوع الأول, فهي قد أنهت رسالتها الوجودية منذ تحررت بلادها, فخرجت من حالة الأسطورة إلى حالتها الأولى, حالة جميلة ما قبل الثورة, جميلة التي تحب وتألم, وتقلق وتصرخ وتخاف .. جميلة المرأة المشغولة بتفاصيل حياتها الصغيرة في وطن يموج بعشرات الملايين من الحيوات المتكدسة فوق بعضها في زاوية مهملة.
***
نص رسالة جميلة بوحيرد إلى الرئيس الجزائري
إلى السيد رئيس جزائر أردتُها مستقلة
سيدي،
أسمح لنفسي بلفت انتباهك إلى وضعيتي الحرجة، فتقاعدي ومعاشي الضئيل الذي أتقاضاه بسبب حرب التحرير لا يسمحان لي بالعيش الكريم، وكل من البقال والجزار والمحلات التي أتسوق بها يمكن لهم أن يشهدوا على القروض التي يمنحونها لي. ولم أتخيل يوما أن أعزز مداخيلي بطرق غير شرعية أصبحت للأسف منتشرة في بلدي.
أنا أعلم أن بعض المجاهدين الحقيقيين والمجاهدات يعيشون نفس وضعيتي، بل أسوأ منها، وأنا لم أقصد تمثيلهم بهذه الرسالة، ولكن من خلال موقعكم لا تستطيعون ولا تريدون معرفة فقرهم وحاجتهم.
هؤلاء الإخوة والأخوات المعروفين بنزاهتهم لم يستفيدوا من شيء، والرواتب التي تمنح لهم لا تتجاوز المستحقات التي تمنح عامة لنواب المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وكذا ما تتقاضونه أنتم وكل الذين يحومون حولكم.
وبناء على هذا، أطلب منكم أن تتوقفوا عن إهانتنا وعليكم أن تراجعوا معاشنا الضئيل، وذلك حتى نُكمل الوقت القليل المتبقي لنا في هذه الحياة بما يتناسب مع الحد الأدنى من الكرامة.
مع تحياتي الوطنية
جميلة بوحيرد
***
نص رسالة جميلة بوحيرد إلى الشعب الجزائري
إخواني وأخواتي الجزائريين الأعزاء
إنني إذ أتوجه إليكم بهذا الخطاب اليوم، فذلك لكونكم تمثلون هذا الشعب المتنوّع والدافئ والمعطاء الذي أحببته دوما. واليوم، أجدني مضطرة لطلب مساعدتكم.
اسمحوا لي أولا أن أقدم لكم نفسي: أنا جميلة بوحيرد التي حُكم عليها بالإعدام في عام 1957 من طرف المحكمة العسكرية في الجزائر العاصمة.
إنني أجد نفسي اليوم في وضعية حرجة، فأنا مريضة والأطباء طلبوا مني إجراء 3 عمليات جراحية خطيرة وجد مكلّفة لا يمكنني التكفل بها، سواء تكاليف الإقامة في المستشفى والعمليات الجراحية والعلاج والدواء والإقامة في فندق، حيث لا يسمح لي معاشي الضئيل والمنحة التي أتقاضاها بسبب حرب التحرير بالتكفل بكل هذه النفقات.
ولهذا، أطلب منكم مساعدتي في حدود إمكانياتكم.
وقبل أن أنهي رسالتي، أريد أن أشكرك بعض أمراء الخليج العربي الذين أعتبرهم إخواني من أجل سخائهم وتفهمهم، حيث عرضوا علي بعفوية وكرم التكفل بكل النفقات العلاجية، لكنني رفضت عرضهم.
مع تشكراتي لكل الأخوات والإخوة الجزائريين وحناني الأخوي.
جميلة بوحيرد
الوسوم: متابعات



كم هو مهين لكل العرب لكل الاوفياء ان نتعامل مع من ضحوا من اجلنا بهذا النكران المقيت .
اشكرك اخي علي على هذا المقال الرائع
أبا تركي, أهلا بك..
يسعدني دائما تواصلك مع ما أكتب, فلا تحرمني هذه السعادة.
ودمت كما تحب.