أول خطوة

لن أعطيك في هذه التدوينة عصا سحرية تحقق بها أحلامك، ولا مرآة ترى فيها الواقع كما تحب أن يكون .. مثل هذه الأدوات لن تجدها في حوزة رجل يؤمن بالعمل والمثابرة والإصرار، ويدرك أن أول خطوة في طريق تغيير الواقع هي استيعابه كما هو، والتعاطي معه بمنطق الأسباب، وبنوع من الذكاء يعتمد استراتيجية التحرك في ضوء الممكن .. وحيز الممكن هذا حيز مطاطي يتسع ويتمدد مع كل جهد يبذله الشخص في بناء ذاته، وتعزيز قدراته، وتدعيم علاقته بالوسط الذي يسعى إلى البروز فيه.

لا أنكر أن هنالك تجارب ناجحة يظهر فيها أثر ملحوظ لما يعرف بالحظ؛ حيث تلعب الأقدار دورا أساسيا في حياة بعض الناس، إلا أن الحظ وحده لا يصنع شيئا ما لم يكن لدى الشخص المحظوظ من الدافعية والجرأة والوعي ما يعينه على استغلال هذا الحظ، فكم من صاحب حظ ضيع حظه؛ لأنه لم يملك من الحذاقة وحسن التصرف أو من المعرفة بالذات وإدراك الواقع ما يوفقه إلى عمل ما هو مناسب، فالمخالب وحدها لا تجعل الصقور تصطاد، إذ لا بد بالإضافة إلى المخالب من الدربة الجيدة والدقة في التوقيت، فلا المخالب وحدها تكفي، ولا الدربة والتوقيت يجديان دون مخالب ..

أعرف صديقا عزيزا يبذل جهودا مضنية منذ بضع سنوات على أمل أن يصبح تاجرا مرموقا، ومع أنه لم يجنِ من تعبه ونصبه فلسا واحدا حتى اليوم؛ تراه مصرا على هذا الحلم، وفي ظنه أن جريان المال في يديه سيحل مشكلاته، ويحقق ذاته، ويزيل العقبات من طريق سعادته المؤجلة…
صديقي هذا ينظر إلى عمله كنوع من الإصرار الجدير بالإعجاب، أما أنا فأعلم أن ما يراه إصرارا ومثابرة ليس في الحقيقة إلا نوعا من الرفض ولدته تجارب قاسية وظروف صعبة لم يكن لديه من الشجاعة والوعي ما يكفي لمواجهتها، ففضل أن يخلق له واقعا آخر، فكانت التجارة هي هذا الواقع الجديد أو لنقل الوهم الكبير …
هكذا ودون مقدمات بدأ يجري المحاولة بعد المحاولة، وينتقل من فشل إلى فشل، وهو الذي لم يخطر على باله من قبل أن يصبح تاجرا ولا الأقدار أعدته لذلك، فكل ما كان يشغل ذهنه هو العلم والعلم فقط، غير أنه فضل سلوك طريق التجارة أو لنقل الوهم، فخسر العلم ولم يربح المال.

وأعرف صديقا آخر، دخلت عليه ذات يوم وفي حجره “عود” يعبث بأوتاره، فقلت له: دع عنك هذه الآلة، فأنت لا تملك أذنا موسيقية، وعليه فمن المحال أن تحسن العزف، وبدلا من أن يحمل كلامي على محمل الجد، ويفكر فيه بروية، أخذ يجادلني ويصفني بالمحطم والمثبط، واستمر يدور في تلك الحلقة المفرغة حتى أكد له دورانه النتيجة التي أخبرته بها قبل أن يبدأ.

أرجو أن لا يفهم أحد أنني ضد التجريب وتكرار المحاولات وتقبل الفشل بروح رياضية، كلا، ولكنني ضد أن يهمل المرء ما أعطاه الله ويجري خلف سراب، فيكون كالغراب الذي أضاع مشيته ومشية الحمامة.

التجربة في ضوء ما نستطيع ضرورة، والمحاولة حين يلتبس علينا الأمر أمر مطلوب، والإخفاق خطوة أخرى تقربنا من النجاح أكثر، لكن بذر بذرة في غير تربتها اعتمادا على المفهوم الخاطئ عن توفيق الله، ومطالبة النفس بشيء لم يخلق فيها الاستعداد له؛ كل ذلك مضيعة للجهد والوقت، ولا ثمرة له إلا الإحباط وكراهية الحياة، وربما بعض التجارب التي قد لا يحتاجها الإنسان لاحقا.

قال لي رجل هو من أنجح الناس الذين مررت بهم في حياتي وقد سألته عن آخر ما نظم من الشعر، وعهدي به كان ينظمه في صباه، قال: لقد تركت نظم الشعر، فالأقدار لو كانت تريد أن تصنع مني شاعرا لمنحتني أذنا تميز بين سليم الشعر ومكسوره….
هذا الرجل هو اليوم أستاذ جامعي جمع الله فيه بين العلم والتواضع وعلو الهمة، وما كان ليصل إلى ما وصل إليه لو لم يكن على هذه الدرجة الرفيعة من الوعي بالذات.

والآن، لا بد أنك -عزيزي القارئ- قد وصلت إلى الفكرة التي درت حولها ولم أهجم عليها…
أجل، إنها حكمة قديمة تقول: اعرف نفسك، وهي حكمة شائعة ومشهورة، يشترك جميع الناس في معرفتها وترديدها وينفرد الناجحون دون سواهم في الاسترشاد بها على طريق الوصول إلى الكمال الشخصي.
وصحيح أن الإنسان قد يولد باستعدادات متعددة ويسمح له واقعه بالمساهمة في أكثر من مجال، فيكون ناجحا في العلم والتجارة، أو في الإعلام والسياسة أو في الطب والفن، وكل هذا مشاهد، لكن على كل واحد منا أن ينظر بصدق إلى إمكاناته حتى لا يكون كالمنبت الذي لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما خلق له”.


الوسوم:

مواضيع ذات صلة:

9 من التعليقات على ”أول خطوة“

  1. خلاّق يا علي ..
    بوركت ..

  2. مرحبا أختي Female
    أسعدني مرورك من هنا أيتها المدونة الرائعة، ودمت بود.

  3. سلام اخي علي احببت ما كتبت كثيرا لان لان ما كتبت هو ما اردده صباح مساء ليل نهار بيني وبين نفسي كانك ايها الحبيب دخلت على الخط بيني وبين نفسي وحولت الحوار الى كلام مكتوب وارجو منك اخي التركيز على هكذا مواضيع شكرا لك

  4. طاب مسائك أ علي العمري.
    اشكرك على تلكم الحروف
    فلقد اصابت سهام كلماتك الهدف.. فحقيقة الكثيرون يريدون تغيير حياتهم
    باسلوب من التذمر والشكوى ,, فهم بلاحراك ولاشك ,,
    وبعضهم يرسم احلامه الوردية هنا وهناك ,,
    وبعضهم يرسم بريشة الفنان ولكن بنسج من خيال,,
    نحن امة لاينقصها الفكرة ولاتتوقف عن التفكير,,
    نريد ان نحلم لاننا سوف نحقق..
    نريد ان نكتب لاننا سوف نطور..

    شكرآ مرة اخرى,,
    اختك/ غير حياتك…

  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لقد أصبْتَ يا صاحبَ التدويناتِ القليلةِ في كمِّها الخالدةِ في مضمونها….
    وأرى أن سبب النجاح هو القدرةُ على تطويع الواقع ليكون مُلْكاً بين الأيدي وأول خطوات التطويع ما تفضلْتَ به
    الاستيعاب أوّلاً، ومن ثم يأتي الذكاء في التطويع.
    دمت في نجاح على نجاح

  6. صدقت يااخي الكريم فالانسان الذكي يرى فيما بين يديه من عمل ان حاول فيه عدة مرات وفشل فالافضل ان يتركه ويبحث عن غيره ولا يربط حياته به فالحياه مليئه بالفرص
    لو ننتبه لها لنجحنا فيها
    كل الشكر لك ..

  7. 7. ابوتركي يقول:

    اخي ابونوف

    قليلا من الكلمات ولكن في الصميييييييييييم

    يعطيك الف عافية

  8. سلام من الله عليكم, ورحمة من لدنه وبركة.
    لقد قارفت الجرح, ومررت مسحتك الطبية!
    ولكن ما رأيك بالمقولة التي معناها: “احلم بالمستحيل, ونفذ الممكن”.

  9. شكرا لكل من شرفني بالمرور من هنا، ولنا لقاء عند عودة الموقع بعد نهاية شهر رمضان المبارك بإذن الله.

    وطابت أوقاتكم.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Subscribe without commenting